المقريزي
108
المقفى الكبير
من مبلغ الحجّاج أنّ سميره * قلى كلّ دين غير دين الخوارج ؟ رأى الناس ، إلّا من رأى مثل رأيهم * ملاعين ترّاكين قصد المناهج فأيّ امرئ ، أيّ أمري يا ابن يوسف * ظفرت به لو نلت علم الولائج ! « 1 » إذن لرأيت الحقّ منه مخالفا * لرأيك إذ كنت امرءا غير فالج « 2 » 5 فقد كدت لولا اللّه أمزج بالذي * به الحقّ من ديني بمذقة مازج فأقبلت نحو اللّه باللّه واثقا * وما كربتي غير الإله بفارج إلى قطريّ في الشراة معائجا * ولست إلى غير الشراة بعائج إلى عصبة ، أمّا النهار فإنّهم * هم الأسد أسد الحرب عند التهايج وأمّا إذا ما الليل جنّ فإنّهم * قيام كأنواح النساء النواشج 10 ينادون بالتحكيم للّه إنّهم * رأوا حكم عمرو كالرياح الهوائج وحكم ابن قيس مثل ذاك فأعصموا * بحبل شديد الفتل ليس بناهج « 3 » فطرح الحجّاج الكتاب إلى عنبسة بن سعيد ، وقال : هذا من عند سميرنا الشيبانيّ ، وهو من الخوارج ولا نعلم به ! ثمّ لمّا قتل المهلّب الخوارج ، ومضى قطريّ إلى طبرستان وأتى المهلّب عهده من عبد الملك على خراسان ، بعث الحجّاج سفيان بن الأبرد الكلبيّ إلى قطريّ في أهل الشام وأهل العراق ، فسار حتّى قدم الريّ ، ثمّ رجع . فلامه الحجّاج ، وكتب إليه يشتمه وقال : ألا كنت أخذته ؟ فقال سفيان : إنّ أبا محمد - يعني الحجّاج - ما يدع المحسن حتّى يسيء . ومضى إلى [ 326 أ ] قومس وحصر الخوارج ثلاثين شهرا حتّى أكلوا الجيف ، وأخذهم عنوة وبعث برءوسهم إلى الحجّاج . وأجلى المهلّب الأزارقة من كرمان بعد فرار قطريّ ، وبعث بشير بن مالك بن الحرشي - وقيل : مرّة بن تليد الأزديّ - إلى الحجّاج بكتابه ، وكان بشيرا أديبا ، له لسان وبيان . [ مع مبعوث من فصحاء أصحاب المهلّب ] فلمّا قدم على الحجّاج برءوس الخوارج ، قال له : ما اسمك ؟ قال : بشير بن مالك . قال : بشارة وملك إن شاء اللّه . كيف تركت المهلّب ؟ قال : تركته صالحا ، قد نال ما رجا ، وأمن ما خاف . فقال : للّه الحمد ! كيف كنتم وكيف كان عدوّكم ؟ قال : كنّا إذا لقوا عفونا بعفوهم انتصفنا منهم . وإذا لقينا حدّهم بحدّنا طمعنا فيهم ، وكانت لهم البداة ولنا العاقبة . فقال : صدقت ، إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [ هود : 49 ] . ثمّ قال : كيف بنوه ؟ قال : كانوا كفاة السرح حتّى يردّوه ، وأعباء البيات « 4 » حتّى يأمنوه .
--> ( 1 ) الوليجة بطانة الإنسان وخاصّته . ( 2 ) السهم الفالج : الفائر الغالب . ( 3 ) عمرو هو عمرو بن العاص ، وابن قيس هو أبو موسى الأشعريّ ، والناهج هو المستقيم الواضح . ( 4 ) العقد 2 / 81 ، والسرح : المال السائم ، وأعيان البيات -